محمد إبراهيم الحفناوي
132
دراسات اصوليه في القرآن الكريم
المدة بكمالها إلى كل واحد منهما ، فلما قام النص الأول في أحدهما بقي الثاني على أصله ، ومثّل ذلك بالأجل الواحد للدينين ، فإنه مضروب بكماله لكل واحد منهما ، وأيضا فإنه لا بدّ من اعتبار مدة يبقى فيها الإنسان بحيث يتغير الغذاء ، فاعتبرت مدة يعتاد الصبى فيها غذاء طبيعيّا غير اللبن ، ومدة الحمل قصيرة فقدمت الزيادة على الحولين . فإن قيل : العادة الغالبة في مدة الحمل تسعة أشهر ، وكان المناسب في مقام الامتنان ذكر الأكثر المعتاد لا الأقل النادر كما في جانب الفصال . فالجواب : أن هذه المدة أقل مدة الحمل ، ولما كان الولد لا يعيش غالبا إذا وضع لستة أشهر كانت مشقة الحمل في هذه المدة موجودة لا محالة في حق كل مخاطب ، فكان ذكره أدخل في باب المناسبة ، بخلاف الفصال لأنه لأحد لجانب القلة فيه ، بل يجوز أن يعيش الولد بدون ارتضاع من الأم ، ولهذا اعتبر فيه الأكثر لأنه الغالب ، ولأنه اختياري كأنه قيل : حملته ستة أشهر لا محالة إن لم تحمله أكثر « 1 » . ومثله استنباط الأصوليين أن تارك الأمر يستحق العقاب من قوله تعالى : أَ فَعَصَيْتَ أَمْرِي « 2 » مع قوله جل شأنه : وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ « 3 » وكذلك استنباط بعض المتكلمين أن اللّه خالق لأفعال العباد من قوله تعالى : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ « 4 »
--> ( 1 ) البرهان في علوم القرآن 2 / 5 . ( 2 ) سورة طه الآية : 93 . ( 3 ) سورة الجن الآية : 23 . ( 4 ) سورة الإنسان الآية : 30 .